أثر الحرب على غزة على تصاعد التيار الديني الإسرائيلي

المشهد الاجتماعي الإسرائيلي بعد نحو عامين على الحرب الإسرائيلية على غزة، يعكس تحوّلات بنيوية عميقة تُعيد تعريف هوية "الدولة" والمجتمع.

0:00
  •  المشهد الاجتماعي الإسرائيلي يعكس تحوّلات بنيوية تُعيد تعريف هوية
    المشهد الاجتماعي الإسرائيلي يعكس تحوّلات بنيوية تُعيد تعريف هوية "الدولة".

يشهد المجتمع الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، حتى قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، انقسامات اجتماعية وسياسية عميقة، كشفت هشاشة المجتمع البعيد عن التجانس وأنّ ما يفرّقه أكبر بكثير مما بجمعه، بيد أنّ الصدمة التي أعقبت الهجوم الفلسطيني في السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023 أفرزت حالة من الوحدة والتضامن المؤقت ومبعثهما حالتا الخوف والذعر من أثر الهجوم المباغت على وجود "إسرائيل" وبقائها، ومع استمرار الحرب حتى تاريخه من دون حسم، عادت مظاهر الانقسام العميق تطفو على السطح بشكل أوسع مما كانت عليه قبيل الحرب الإسرائيلية على غزة. 

أبرز التحوّلات على المستوى الاجتماعي بروز الصعود المتسارع للتيار الديني، مقابل تراجع واضح للفئات العلمانية، هذا التحوّل لا يقتصر فقط على البنية الديموغرافية، بل يمتد ليشمل القيم، والهوية، وطبيعة العلاقات بين مكوّنات المجتمع المختلفة، مما يعيد تشكيل ملامح "الدولة" والمجتمع الإسرائيليين بشكل جذري.

سرّعت الحرب في غزة هذه التحوّلات الاجتماعية، إذ إنّ الشعور بالخطر الوجودي عزّز التوجّهات الدينية والقومية بين قطاعات واسعة من المجتمع، في مقابل تراجع الأصوات الليبرالية والعلمانية التي باتت أكثر هشاشة وعزلة.

على المستوى الديموغرافي، تشير المعطيات إلى أنّ الفئات الدينية، سواء من الحريديم أو التيار الديني الصهيوني، تسجّل أعلى معدلات النمو السكاني في "إسرائيل". يعود ذلك إلى ارتفاع معدلات الخصوبة لدى هذه الفئات مقارنة بنظرائهم العلمانيين، إضافة إلى انخفاض معدلات الهجرة لديهم. في المقابل، تشهد الفئات العلمانية تراجعاً مستمراً سواء بسبب انخفاض الخصوبة أو بسبب زيادة معدلات الهجرة إلى الخارج، هرباً من الأوضاع السياسية والاجتماعية المتدهورة.

هذا التغيّر الديموغرافي ينعكس بشكل مباشر على مراكز الثقل الاجتماعي والسياسي في "إسرائيل". فالتعليم، والإعلام، والقضاء، وحتى "الجيش"، باتت تتعرّض لتأثير متزايد من التيارات الدينية، مما أدى إلى إعادة صياغة معايير القيم والسلوكيات العامّة بما يتماشى مع الرؤية الدينية القومية.

في هذا السياق، منذ الحرب، تصاعدت أدوار المدارس الدينية (يشيفوت)، والمعاهد التوراتية، التي تؤدي دوراً محورياً في تربية الأجيال الجديدة وفقاً لقيم دينية محافظة. كما عزّزت الحكومة، بضغط من الأحزاب الدينية المتحالفة مع نتنياهو، تمويل هذه المؤسسات، في مقابل تقليص الدعم للمدارس العلمانية والمختلطة.

في الحياة العامّة، أصبح الخطاب الديني أكثر حضوراً. قضايا مثل الفصل بين الجنسين في الأماكن العامّة، احترام يوم السبت، تعزيز الطابع اليهودي لـ "الدولة"، أصبحت محاور أساسية للنقاشات المجتمعية، في ظلّ ميل واضح لتقنين هذه القيم عبر التشريعات والقوانين، وتغلغلت الثقافة الدينية حتى داخل المؤسسة العسكرية، ومؤخّراً أثيرت ضجة بسبب دعوة لتكريم جرحى "الجيش" تضمّنت تنويهاً للنساء بالحضور بزي محتشم.

أما الفئات العلمانية، فقد أصبحت تشعر بتهديد متزايد على نمط حياتها وقيمها. عبّر عن ذلك تصاعد الاحتجاجات ضدّ محاولات تديين الفضاء العامّ، وضدّ الإصلاحات القضائية التي اعتبرت وسيلة لفرض أجندة دينية قومية على المجتمع بأسره. إلّا أنّ هذه الاحتجاجات، رغم أهميتها، لم تنجح في وقف المدّ الديني المتصاعد، بل تراجعت قوتها بفعل الحرب وسياسات القمع السياسي.

التوتر بين الفئات الدينية والعلمانية لم يبقَ في حدود النقاشات الفكرية، بل أصبح يأخذ طابعاً صراعياً صريحاً، خاصة في قضايا مثل الخدمة العسكرية. إذ إنّ فئات واسعة من العلمانيين ترى أنّ الحريديم، الذين يُعفون من التجنيد الإجباري، يتمتعون بامتيازات غير عادلة، بينما هم يتحمّلون العبء الأمني والاقتصادي الأكبر.

في موازاة ذلك، تعمّقت الفجوات الاقتصادية بين الفئات المختلفة. فغالبية الحريديم يعيشون في مستويات دخل أدنى من المتوسط الوطني، ويعتمدون بشكل كبير على الإعانات الحكومية، ما يثير استياء الفئات العاملة العلمانية، التي ترى في ذلك عبئاً إضافياً على "الدولة".

أحد أخطر ملامح التحوّل الاجتماعي هو بروز الانقسام بين ما يُسمّى بــ "الدولة العميقة" العلمانية (الجيش، القضاء، الأكاديميا) وبين "الدولة" السياسية الجديدة التي تتشكّل بقيادة تيارات دينية قومية متطرّفة. هذا الانقسام قد يؤدي في المستقبل إلى صدامات داخلية حول طبيعة "الدولة" وهوية النظام السياسي والاجتماعي.

على الصعيد السياسي، بات التيار الديني القومي يشكّل العمود الفقري للحكومة الإسرائيلية، حيث حصل على حقائب وزارية مركزية، وتحكّم فعلياً بمفاصل اتخاذ القرار، خاصة في ملفات التعليم والقضاء والاستيطان. هذا التمكين السياسي ساعد في دفع أجندة دينية متشدّدة، تفرض على المجتمع بأكمله تحوّلات عميقة في منظومة القيم والمعايير.

من جهة أخرى، أدّت هذه التحوّلات إلى تعميق عزلة فلسطينيي الداخل. فمع صعود الخطاب الديني القومي، أصبحت السياسات الرسمية أكثر عنصرية وإقصاءً تجاه المواطنين الفلسطينيين، مما زاد من حالة التمييز المؤسساتي ضدّهم، ووسّع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية.

إن المشهد الاجتماعي الإسرائيلي بعد نحو عامين على الحرب الإسرائيلية على غزة، يعكس تحوّلات بنيوية عميقة تُعيد تعريف هوية "الدولة" والمجتمع.

صعود التيار الديني وتراجع الفئات العلمانية ليس مجرّد ظاهرة عرضيّة، بل هو تحوّل استراتيجي طويل الأمد يهدّد بتحويل "إسرائيل" من "دولة" تدّعي الديمقراطية والحداثة إلى كيان ديني إثني محافظ. هذا التحوّل يحمل في طيّاته احتمالات انفجارات اجتماعية داخلية، وصراعات على هوية "الدولة" ومستقبلها، في ظلّ غياب أفق واضح للتعايش بين القوى المتنازعة.