غياب الضغوطات وخيارات غزة الصعبة
هل ستغيّر الانتخابات شروط "إسرائيل" التفاوضية؟ الواقع أنّ التغيير – إن حدث – سيكون على الأغلب تكتيكياً وليس جوهرياً، إذ إنّ الإجماع الإسرائيلي ما زال ثابتاً على نزع سلاح حماس وإقصائها عن الحكم.
-
أمام هذا المشهد الإسرائيلي، لدى الفصائل الفلسطينية خياران لا ثالث لهما!
مع دخول الحرب على غزة شهرها الثاني والعشرين، يزداد التغوّل الإسرائيلي في حرب الإبادة الشاملة على قطاع غزة، والحديث عن عملية "مركبات جدعون 2" لاحتلال مدينة غزة وترحيل مليون فلسطيني من سكانها إلى المجهول، وبذلك يزداد وضوح الحقيقة القاسية: الرهان على الضغوطات والتغيّرات السياسية الداخلية في "إسرائيل" كوسيلة لإيقاف الحرب لم يعد مجدياً، ففي المدى الزمني القريب، لا إشارات تمنع "إسرائيل "من تدمير ما تبقّى من قطاع غزة، والأخطر فتح الطريق أمام مخطّط التهجير القسري لسكانه. فبرغم تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية على حكومة نتنياهو، إلّا أنّ جميعها لم يبلغ بعد النقطة الحرجة التي تجبر "إسرائيل" على وقف حربها، بينما تفتقد غزة إلى ترف الانتظار، حيث يتواصل الاستنزاف الإنساني والعمراني بوتيرة كارثية.
أولاً: الداخل الإسرائيلي بين الضغط الشعبي والمعارضة
صحيح أنّ الشارع الإسرائيلي يشهد موجات غضب متصاعدة، وعوائل الأسرى الإسرائيليين زادت من خطواتها الاحتجاجية، ووصلت إلى الإضراب العامّ، وتوسّعت دائرة الشرائح المشاركة في الاحتجاج، لكن رغم ذلك لم تصل بعد إلى مرحلة العصيان أو الكتلة الحرجة القادرة على إسقاط حكومة نتنياهو أو إجباره على تغيير المسار.
أما عن الخلافات داخل الحكومة، خصوصاً حول قانون التجنيد، فما زالت عاجزة عن تفجير الائتلاف، إذ لم يحرق الحريديم سفنهم بعد مع نتنياهو.
وما زال "أرييه درعي" زعيم حركة "شاس" يمنح نتنياهو الوقت لحلّ الخلاف، ولا سيما أنّ الكنيست الإسرائيلي في الإجازة الصيفية، في المقابل، باتت قوة سموتريتش وبن غفير هي الكابح الأكبر لأيّ توجّه نحو وقف الحرب، عبر تهديد مباشر للائتلاف إذا فكّر نتنياهو في مسار يختلف عن أهدافهم التوراتية والسياسية، لذلك هناك محاولات لضمّ بني غانتس زعيم حزب "أزرق أبيض" للائتلاف، لتشكيل شبكة ضمان تصويري لبقاء الحكومة في حال الذهاب إلى مسار وقف الحرب، لكنّ هذه المحاولات ينظر لها على أنها تهديد من نتنياهو لشركائه في الائتلاف أكثر من كونها نيّة صادقة لتغيير المسار تجاه وقف الحرب.
ثانياً: الانتخابات المبكرة واحتمالات التغيير
من المرجّح أن تُعقد انتخابات مبكرة في "إسرائيل" قبل موعدها الطبيعي في تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وربما يستغل نتنياهو قانون الموازنة في آذار/مارس المقبل كذريعة لحلّ الحكومة، خاصة أنّ هناك مطالب كبيرة لشركائه في الائتلاف، في ظلّ عجز كبير في الموازنة وازدياد مهول بميزانية "الجيش" والأمن.
لكنّ السؤال الجوهري: هل ستغيّر هذه الانتخابات شروط "إسرائيل" التفاوضية؟ الواقع أنّ التغيير – إن حدث – سيكون على الأغلب تكتيكياً وليس جوهرياً، إذ إنّ الإجماع الإسرائيلي ما زال ثابتاً على نزع سلاح حماس وإقصائها عن الحكم.
ثالثاً: الضوء الأخضر الأميركي
يشكّل الضغط الأميركي العامل الأكثر حسماً. فقد منح الرئيس ترامب نتنياهو مهلة حتى نهاية عام 2025 لحسم الملف في غزة بحسب ما يمكن قراءته من التسريبات الإعلامية، مشترطاً فقط تجنّب صور المجاعة في غزة. هذا السيناريو يذكّر بما فعله نتنياهو مع إدارة الرئيس الأسبق جو بايدن حين استغل اللحظة الانتخابية الأميركية للهروب من التزاماته. وعليه، فإنّ "إسرائيل" تمتلك غطاءً سياسياً أميركياً واسعاً لمواصلة الحرب على الأقل للربع الأول من العام المقبل، ما لم تُفشلها متغيّرات طارئة.
رابعاً: الضغط الدولي والأوروبي
تتجه دول أوروبا وفي مقدّمتها فرنسا، إلى الاعتراف بدولة فلسطينية في الجمعية العمومية المقبلة للأمم المتحدة منتصف أيلول/سبتمبر المقبل، رغم أهمية هذا الاعتراف على المستوى الاستراتيجي للقضية الفلسطينية، وتأكيد حقّ الشعب الفلسطيني بأن يقرّر مصيره في دولته المستقلة، لكنّ هذا الأمر لا يخرج في الوقت الحالي عن موقف أوروبي رمزي رافض لاستمرار الحرب. وفي الوقت ذاته الغالبية الأوروبية بما فيها فرنسا التي قادت حملة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، تشارك "إسرائيل" في أهدافها النهائية لنتائج الحرب: تدمير حماس، نزع سلاحها، وإبعادها عن الحكم. بذلك، لن يشكّل الضغط الأوروبي رافعة كافية لوقف الحرب ما لم يترافق مع صيغة تفاوضية واضحة ومُلزمة لتحقيق أهداف الحرب إسرائيلياً.
خلاصة الموقف، على المدى المنظور، حتى الربع الأول من عام 2026، لا توجد عوامل سياسية كافية لكبح نتنياهو أو منعه من المضي نحو احتلال مدينة غزة، وتدميرها، الأمر الذي يفسّر الخلاف بين المستوى السياسي و"الجيش" على الجداول الزمنية لتنفيذ العملية العسكرية، الذي يريد لها "الجيش" أن تستغرق على أقل تقدير سنة كاملة، الأمر الذي يرفضه نتنياهو ويعتبره غير واقعي، بل يريدها عملية حاسمة وسريعة. لكنّ "الجيش" ما زال متخوّفاً وحذراً من الظروف الموضوعية المرافقة للعملية: كلفة الاحتلال البشرية، خوف "الجيش" من تحمّل المسؤولية الإدارية على غزة، ومعضلة الأسرى الإسرائيليين، وغيرها.
أمام هذا المشهد الإسرائيلي، لدى الفصائل الفلسطينية خياران لا ثالث لهما:
1. خيار سياسي سريع: البحث عن صيغة تفاوضية تتقاطع جزئياً مع أهداف نتنياهو، تحت مظلة عربية ـــ تركية قادرة على الضغط على ترامب قبل أن تنفّذ العملية العسكرية في غزة ويتمّ تدميرها، والتي إن نجح "الجيش" الإسرائيلي بذلك سيأخذ الخطط الإسرائيلية إلى مسارات أكثر تغوّلاً وتطرّفاً أوضحها تهجير أكثر من مليون غزاوي على أقل تقدير.
2. خيار ميداني مكلف: مضاعفة الصعوبات العسكرية أمام "الجيش" الإسرائيلي، من خلال مقاومة شرسة تكبّد "الجيش" الإسرائيلي خسائر فادحة،خصوصاً في المراحل الأولى لعملية احتلال غزة، بحيث يصبح التفاوض أقلّ كلفة من الاحتلال، ولكن هنا يجب مراعاة أنّ المقاومة تقاتل منذ 22 شهراً والحاضنة الشعبية في غزة منهكة من القتل والحرب والتجويع والنزوح.
قد تكون الخيارات جميعها صعبة، فكلّ خيار من الخيارين له محاذيره أو حتى في حال دمج الخيارين واقعياً، بحيث تكون مفاوضات تحت النار كما يريد نتنياهو، لا بدّ أن يدرك الجميع أنّ الحقيقة الثابتة هي أنّ استمرار الحرب يعني تدمير غزة بلا أفق. لذلك، يبقى إيقاف الحرب – بأيّ ثمن – الهدف الأكثر إلحاحاً وأهمية للشعب الفلسطيني وقضيته.